السيد أحمد الحسيني الاشكوري
372
المفصل فى تراجم الاعلام
وبالرغم من مرجعيته واشتغاله بالخدمات المختلفة وابتلائه بقضاء حوائج الناس لم يفته الأخذ بحظه في عالم التأليف . بل تفوّق فيه على من تفرغ له وانصرف إليه ، فقد أفرغ في بوتقة التأليف عشرات الكتب القيمة الرصينة ، وقد حباه اللَّه بمزايا كريمة وخصه بألطاف عديدة ( وفضّله على كثير ممن خلق تفضيلًا ) ، فقد امتاز بذكاء خارق وذهن وقاد وحيوية متدفقة ، وتفوق بسلامة الذوق وبُعد النظر وقوة العارضة ، وكان له في الكتابة أسلوب خاص تميز به عمن سواه ، واختص بالدراسات الشيعية فوقف نفسه وقلمه لها ، وغربل تأريخ الاسلام غربلة دقيقة ميّز فيها غثه من سمينه ، ونخل حوادثه ووقائعه صغيرة وكبيرة ، فعرف الصحيح من المزيَّف ، والحقيقة الثابتة من الوهم والخيال ، وقرأ الأحاديث المروية عن النبي وأصحابه وأهل بيته بأجمعها مما رواه الفريقان قراءة ضبط وإتقان حتى كاد أن يستظهرها كلها ، ولقد أبان أموراً وكشف حقائقَ لم يكن ليعرفها الكثير من العلماء لو لم يبعثها قلمه الحر النزيه ، ورابط بعد ذلك على حدود الاسلام حارساً أميناً للدين وحساماً مشهوراً على رقاب المنحرفين ، وجندياً مخلصاً يردّ عنه كيد أعدائه ويوجه النصح والارشاد إلى الضال والمغالط من أبنائه ، وقد أدى رسالة عظيمة قد يعجز عن تأديتها جيل بكامله وأمة بمجموعها . وقد يرى البعداء من القراء مبالغة في هذا القول أو إغراقاً في الإطراء ، ولكن الذين عرفوا المترجَم له وقرأوا كتبه يعلمون ما نقول جيداً ويعترفون به بإذعان . ولا أكون مبالغاً إذا قلت بأن المذهب الجعفري - على ما هو عليه من حق وظهور ووضوح - مدين للمترجَم له ، فقد نشره من جديد بأسلوب العصر ، وخدمه بكل ما أوتي من براعة وعبقرية ، فأظهر الحق وأزهق الباطل ، فنصره اللَّه على أعدائه نصراً كبيراً وفتح له فتحاً مبيناً ( وذلك فضل اللَّه يؤتيه من يشاء واللَّه واسع عليم ) فهنيئاً له وشكر اللَّه سعيه وأجزل أجره . لقد كان المترجَم له مأثرة من مآثر الوقت وآية كبرى ازدهى بها العصر الحاضر ، وحسب هذا القرن مفخرة أن ينبغ فيه مثل هذا العبقري الفذ ، وحسب عاملة أن تقل باحتها عَلَماً خفاقاً للدين وسيفاً مشهوراً للهدى مثله من بقايا العترة الطاهرة ( ع ) ، فلقد فاق أقرانه بثروة علمية طائلة ، وقوة في العارضة ، وفلج في الحجة ، ورصانة في الأسلوب ، وجودة في السرد ، واهتداء إلى المغازي الشريفة والدقائق البعيدة المرمى ، والغايات الكريمة . فماذا يقول الواصف فيه ، أهو مجتهد فاضل ، أم متكلم بارع ، أم فيلسوف محقق ، أم أصولي ضليع ، أم مفسر كبير ، أم محدث صدوق ، أم مؤرخ ثبت ، أم خطيب مصقع ، أم باحث ناقد ، أم أديب كبير ؟ ؟ ! نعم هو كل ذلك . أضف إليه